ابن الجوزي

19

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( ولقد صرفناه ) يعني المطر ( بينهم ) مرة لهذه البلدة ، ومرة لهذه ( ليذكروا ) أي : ليتفكروا في نعم الله عليهم فيه فيحمدوه . وقرأ حمزة ، والكسائي : " ليذكروا " خفيفة الذال . قال أبو علي : يذكر في معنى يتذكر ، ( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) وهم الذين يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، كفروا بنعمة الله . ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) المعنى : إنا بعثناك إلى جميع القرى لعظم كرامتك ، ( فلا تطع الكافرين ) ، وذلك أن كفار مكة دعوه إلى دين آبائهم ، ( وجاهدهم به ) أي بالقرآن ( جهادا كبيرا ) أي : تاما شديدا . * وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ( 53 ) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ( 54 ) ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ( 55 ) قوله تعالى : ( هو الذي مرج البحرين ) قال الزجاج : أي : خلى بينهما ، تقول : مرجت الدابة وأمرجتها : إذا خليتها ترعى ، ومنه الحديث : " مرجت عهودهم وأماناتهم " أي : اختلطت . قال المفسرون : والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما ، فهما يلتقيان ، ولا يختلط الملح بالعذب ، ولا العذب بالملح ، وهو قوله تعالى : ( هذا ) يعني : أحد البحرين ( عذب ) أي : طيب ، يقال : عذب الماء يعذب عذوبة ، فهو عذب . قال الزجاج : والفرات صفة للعذب ، وهو أشد الماء عذوبة ، والأجاج صفة للملح ، وهو : المر الشديد المرارة . وقال ابن قتيبة : هو أشد الماء ملوحة ، وقيل : هو الذي يخالطه مرارة ، ويقال ماء ملح ، ولا يقال مالح ، والبرزخ : الحاجز : وفي هذا الحاجز قولان : أحدهما : أنه مانع من قدرة الله تعالى ، قاله الأكثرون ، قال الزجاج : فهما في مرأى العين مختلطان ، وفي قدرة الله منفصلان لا يختلط أحدهما بالآخر . قال أبو سليمان الدمشقي : ورأيت عند عبدان من سواد البصرة الماء العذب ينحدر في دجلة نحو البحر ، ويأتي المد من البحر ، فيلتقيان ، فلا يختلط أحد الماءين بالآخر ، يرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة ، وماء دجلة عذبا لا يخالطه شئ ، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد . والثاني : أن الحاجز : الأرض واليابس ، وهو قول الحسن ، والأول أصح . قوله تعالى : ( وحجرا محجورا ) قال الفراء ، أي : حراما محرما أن يغلب أحدهما صاحبه . قوله تعالى : ( هو الذي خلق من الماء بشرا ) أي : إنسانا ( فجعله نسبا وصهرا ) أي : ذا نسب وصهر . قال علي [ رضي الله عنه ] : النسب : ما لا يحل نكاحه ، والصهر : ما يحل نكاحه .